السيد هادي الخسروشاهي

106

قصة التقريب ، أمة واحدة ، ثقافة واحدة

وحياة الرسول الكريم ، تجمع الهجرات كلّها : طبيعية ومعنوية ، وتزيد عليها تلك الهجرة المعروفة التي لولاها لقُضي - بغير شكّ - على الإسلام ورسوله والمسلمين ، تلك الهجرة التي هي درس عملي في التضحية والجهاد ، والتي اتّخذها المسلمون مبدأً لتاريخهم ، والتي جمعت كلّ المعاني والمحسوسات التي تفهم من هذه اللفظة . كان ( ص ) نموذجاً فريداً في هجرته الطبيعية ، فلم تشعر أمه إبّان حمله بما تشعر به الحوامل من تعب وألم ، ولم تجد في وضعه ما يجده النسوة عادةً من الإجهاد . وكذلك كانت هجرته من الطفولة إلى الصبا والشباب ، ثم إلى نهاية الأجل ، فذّة في كلّ أطوارها . أمّا الهجرة المعنوية ، فقد اكتمل له أمرها في مستهلّ حياته ، ففي صباه لم يله كما يلهو الصبية ، ولم يعبث كما يعبثون ، بل كان يجلس مع جدّه في مجالس الحكم ، ومواطن الحكمة ، وفي شبابه كان ينتزع نفسه من مجالس اللهو ، ويؤثر الخلوة ، ويجنح إلى السكون ليجتلي معاني العظمة في الكون ، حتّى بلغ به الأمر أن يتحنّث في غار حراء ، كذلك هجر عادات قومه وتقاليدهم ، وتميّز عليهم بسمو خلقه وسمو طبعه ، وسُمِّي عندهم بالصادق الأمين . وأمّا هجرته المشهورة ، التي جمعت كلّ أسباب الخير ، وحوت كلّ معاني العظمة ، وغمرت الدنيا بأسمى التعاليم ؛ فقد كانت بدعاً لا مثيل لها في تاريخ قومه الذين عرفوا الهجرة الجماعية ، أي هجرة القبيلة كلها في سبيل العيش ، أمّا الهجرة الفردية ، الهجرة من أجل العقيدة والمبدأ ؛ فشئ جديد لا سابقة له ، اضطرّ إليه الرسول بعد إيذاء قومه إياه ، ومحاولتهم القضاء على دعوته . استخلف عنه في مكة من استخلف ، وأخذ معه من أخذ ، وهاجر إلى المدينة ، وفيها وضع أساس الأُخوّة الإسلامية ، ومبدأ وطن العقيدة ، فآخى بين المهاجرين والأنصار ، وبين الأوس والخزرج ، وقضى على العصبية الجنسية ، والنعرة القبلية ، وأعلن أنّ وطن المسلم هو كلّ موطن فيه للإسلام صحبة ، وأنّ وطن صاحب